صفي الرحمان مباركفوري

150

الرحيق المختوم

ولما لم يحصلوا من عليّ على جدوى جاءوا إلى بيت أبي بكر ، وقرعوا بابه ، فخرجت إليهم أسماء بنت أبي بكر ، فقالوا لها : أين أبوك ؟ قالت : لا أدري واللّه أين أبي ؟ فرفع أبو جهل يده - وكان فاحشا خبيثا - فلطم خدها لطمة طرح منها قرطها « 1 » . وقررت قريش في جلسة طارئة مستعجلة استخدام جميع الوسائل التي يمكن بها القبض على الرجلين ، فوضعت جميع الطرق النافذة من مكة ، في جميع الجهات تحت المراقبة المسلحة الشديدة ، كما قررت إعطاء مكافأة ضخمة قدرها مائة ناقة بدل كل واحد منهما لمن يعيدهما إلى قريش حيين أو ميتين ، كائنا من كان « 2 » . وحينئذ جدت الفرسان والمشاة وقصاص الأثر في الطلب ، وانتشروا في الجبال والوديان ، والوهاد والهضاب ، لكن من دون جدوى وبغير عائدة . وقد وصل المطاردون إلى باب الغار ، ولكن اللّه غالب على أمره ، روى البخاري عن أنس عن أبي بكر قال : كنت مع النبي صلى اللّه عليه وسلم في الغار فرفعت رأسي ، فإذا أنا بأقدام القوم ، فقلت يا نبي اللّه لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا . قال : اسكت يا أبا بكر ، اثنان اللّه ثالثهما ، وفي لفظ : ما ظنك يا أبا بكر باثنين اللّه ثالثهما « 3 » . وقد كانت معجزة أكرم اللّه بها نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، فقد رجع المطاردون حين لم يبق بينه وبينهم إلا خطوات معدودة . في الطريق إلى المدينة وحين خمدت نار الطلب ، وتوقفت أعمال دوريات التفتيش ، وهدأت ثائرات قريش بعد استمرار المطاردة الحثيثة ثلاثة أيام بدون جدوى ، تهيأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وصاحبه للخروج إلى المدينة . وكانا قد استأجر عبد اللّه بن أريقط الليثي ، وكان هاديا خريتا - ماهرا بالطريق - وكان على دين كفار قريش ، وأمناه على ذلك ، وسلما إليه راحلتيهما ، وواعداه غار ثور بعد ثلاث

--> ( 1 ) ابن هشام 1 / 487 . ( 2 ) انظر صحيح البخاري 1 / 554 . ( 3 ) صحيح البخاري 1 / 516 ، 558 ، ولم يكن فزع أبي بكر مخافة على نفسه ، بل سببه الوحيد هو ما روي أن أبا بكر لما رأى القافة اشتد حزنه على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال : إن قتلت فإنما أنا رجل واحد ، وإن قتلت أنت هلكت الأمة ، فعندها قال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا انظر مختصر سيرة الرسول للشيخ عبد اللّه النجدي ص 168 .